إن عطاء الدم ثمن الحرية
يختلف السياسيون والثوار في ما بينهم، فالسياسي يريد أن يحقق أكبر قدر ممكن من المكاسب بأقل الخسائر وميزانه المصلحة العامة من جانب وكذلك المصلحة الحزبية من جانب آخر مما يضطره أحياناً للرضوخ للواقع الذي يؤمن بتفاصيله فتراه قد يضطر لمصافحة من قتل أهله وحاربه وأراد محوه من الوجود فهذا مقدار ما يستطيعه.
أما الثوار فهم مبدئيون، تراهم في غمرة الصراع من أجل الحقوق لا يبالون سواء وقع الموت عليهم أو عليه وقعوا، فالحياة في موتهم قاهرين لعدوهم وذلهم وقيود الظلم والإرهاب السلطوي، لذلك يختلف سقف الثائر عن سقف السياسي فالأول يطالب بالتغيير الجذري والآخر يؤمن بالتطور التدريجي وإن كان كبيراً لكن هناك سقف محدد لتطلعاته.
وتكمن نقطة الإلتقاء بين السياسي والثائر في مسألة جوهرية لا خلاف عليها، وهي أن دماء الشهداء هي الضامن للنصر المؤزر والداعم الراسخ للمطالبة بالحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية.
وتاريخياً فإن عطاء الدماء أثمر وبعد العذابات الكبرى أعظم انتصارات البشرية، ولو أخذنا مثل الرسالة المحمدية لكفانا ذلك العطاء العظيم، فالإسلام لم يستقم عوده لولا أخلاق محمد وأموال خديجة وسيف علي، ولم يبقَ للإسلام ذكر لولا تضحية الصحابة النجباء ومنهم عم الرسول الحمزة بن عبد المطلب أسد الله ورسوله الذي استشهد بين يدي النبي يوم غزوة أحد مدافعاً عنه بروحه ودمه. ولولا عطاء الدم لما استمر الدين لهذا اليوم بروحه المحمدية الأصيلة، فدماء الحسين في كربلاء هي من حفظت للدين رونقه ومسحت رجس من أرادوا حرفه عن مواضعه وتجييره لمصالحهم الخاصة ليدوم بطشهم وسلطانهم بغطاء ديني مقيت.
وفي الجانب الآخر، فإن الثورة الفرنسية والتي تعتبر مفتاح التحول التاريخي في أوروبا من عصور الظلام للانفتاح والنور قد قدمت أكثر من ٣٠٠٠٠ قتيل و٥٠٠٠٠ سجين سياسي إختفى أثر الكثير منهم داخل الطوامير تحت أرض سجن الباستيل المشهور ببشاعته ووحشية التعذيب فيه. ولقد استمرت الثورة لسنين طوال تجرع فيها الفرنسيون صنوف القهر والحرمان والمجاعات بينما المترفون يعيشون برغد العيش ولهم مآدبهم التي كانت تكفي لتغذي كل جياع باريس.
ولقد إنطلقت الثورة الفرنسية في يونيو ١٧٨٩ بالقسم الثوري لإسقاط النظام الملكي وتبعها بعد شهر من القسم الهجوم الفدائي على سجن الباستيل لتحرير السجناء السياسيين اتبعه إعلان حقوق الإنسان ومن ثم المسيرة التاريخية الكبرى نحو البلاط الملكي في فرساي خلال شهر أكتوبر من نفس السنة وهكذا استمر الحراك الشعبي تصاعدياً رغم الاغلال والاعدامات على الشك التي انتهجها البوليس الفرنسي السري حتى أينعت الثمار خلال ٣ سنوات بإعلان النظام الجمهوري وإعدام الملك لويس السادس عشر وبدأ تاريخ جديد لأوروبا والعالم حيث انتهت الملكية المطلقة وألغيت الامتيازات الإقطاعية والدينية وبرز دور عموم الجماهير وفلاحي الريف في تقرير مصير المجتمع.
وفي جنوب أفريقيا مثال رائع آخر ننهل منه الصبر على الجراحات من أجل الحرية، فالكفاح من أجل إنهاء التمييز العنصري ضد السود وهم السكان الأصليين استمر لأكثر من ٥٠ عاماً متواصلاً سبقه الكثير من الإنتفاضات من أجل الكرامة المهدورة ظلماً بيد العنصريين البيض، وبزغ خلال هذا الحراك الطويل نجم نيلسون مانديلا الذي كان يؤمن بالكفاح السلمي البحت حتى أعلن النظام العنصري منع التجمعات وأطلق النار على اعتصام سلمي للمطالبة بالحقوق وتم كذلك حل الجمعيات المطالبة بالمساواة مما أدى لقتل وإعتقال كبار الناشطين وحينها قاد مانديلا بنفسه الذراع العسكري للمجلس الأفريقي القومي وبقي مخلصاً للكفاح المسلح رغم العرض الذي طرح عليه سنة ١٩٨٥ ولكنه رفضه اخلاصاً للشهداء وأثمر عطاء الدم اسقاط نظام الفصل العنصري وانتخب مانديلا بعد ٢٨ سنة من السجن والعذاب رئيساً لجنوب أفريقيا وحفر اسمه في سجل عظماء البشرية.
إن عطاء الدماء القانية وتقديم الأضاحي من أجل الحرية هو السبيل الأنجع للنجاح، فما أخذ بالقوة لا يمكن أن يسترد إلا بالقوة، هذا واقع التاريخ وواقع بقاء الإسلام بنقاءه وانتصار الشعوب وتحقيق مصيرهم بيدهم بأنظمة حكم شريفة لا بقاء للباطل فيها ولو قيد أنملة، والدماء الزاكية هي الشعلة التي تنير الطريق الحالك المظلم في عتمة ليل الفساد والجريمة.
يا شعب البحرين المقاوم، استعدوا للحظة الحسم فكل ما مضى من العذابات والجراحات والآلام ليس إلا قطرة في بحر القادم من التضحية الواجبة للرسو على شاطئ النصر، اعلموا أنكم مقبلون على مجازر لابد منها ولا مفر عنها ستتكرر فيها صورة رأس فرحان وأضلاع بداح وأشلاء عيسى عبد الحسن بآلاف المرات، فإصلاح هذا النظام من رابع المستحيلات وهو ماضٍ نحو هلاكه ولكن بجماجمنا وأشلائنا وبحر من دمائنا، فلنكن عند اللحظة الحاسمة صامدون وللشهادة في سبيل الله والحرية متحضرون وللفداء بكل ما نملكه من أجل الحقيقة والعدالة متوثبون، فالدماء هي من حفظت جوهر الدين والدماء هي من أسقطت امبراطوريات الظلام في أوروبا والدماء هي من هزمت نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولذلك فإن رسالة الشهداء لنا هي أن نواصل الدرب الذي خطوه بدمائهم كما قال عريسهم أضحية العيد الشهيد علي الشيخ في بيان شهادته التاريخي:
إن عطاء الدم ثمن الحرية.
ليث البحرين
٢-٧-٢٠١٢